الشيخ محمد الصادقي الطهراني

103

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فكل شىءٍ أصبح مخلوقاً دون خالق ، أم لا يوجد أي شىءٍ ! هذا السئوال المتنعت هو نظرية البعض من فلاسفة الماركسية ، زاعماً أن الوجود - أياً كان - لا يستغني عن علة تعاصره ، وافتراض موجود دون خالق يناقض هذه الضابطة . وقد تغافلوا عن أن الحاجة إلي خالق ليست قضية الوجود بما هو وجود ، وإلَّاكانت المادة الأولية الأزلية على زعمهم بحاجة إلي خالق ، وإنما هو الوجود الحادث المادي ، يُسئل عمن خلقه لأنه مخلوق ، وهذا يهدم صرح أزلية المادة ويبني صرح الخالق الأزلي وراء المادة . فوجاه قولتهم : من خلق اللَّه إذا كانت المادة هي المتطورة والمطوِّرة لكل شيءٍ . وجوابهم : أن المادة خالقة غير مخلوقة لأنها أزلية ، وجوابنا وبأحرى : أن اللَّه خالق غير مخلوق لأنه أزلي كما برهن به الرسول صلى الله عليه وآله في حجاجه المنيرة ، وإذا كان اللَّه خالق كل شيءٍ وكيل يكل امره فيما يكلُّ في أمره ، ولولا وكالته على كل شيءٍ ، إيكالًا لها إلي أنفسها لزال كلُّ شئ ، أو كلَّ كل شىءٍ فيما يصلحه ويدبر أمره . أترى « كل شىءٍ » هنا وهنالك يعم أفعال العباد ؟ إذاً فهم مسيَّرون فيها لا حيلة لهم ، فلماذا يثابون أو يعذبون ؟ ! أقول : لا ونعم ، لا حيث الشيءُ يعني شىءَ الذات ، لا وشىءَ الفعل مما له فعل ، وحيث يعنيهما أيضاً فلا حين يُعنى خلقاً لها ينافي التخيير ، ونعم حين يُعنى أنه الخالق للمختار واختياره وفعله بالاختيار . فالفعل المختار له نسبة إلي الفاعل المختار حيث اختاره دون إجبار ، ونسبة أخرى إلي خالق كل شىءٍ ، إذاً لولا إرادته بعد إختيار المختار لما حصل الفعل المختار ، فإنه « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » وبعد كل ذلك فالخلق هو التقدير وهو منه على اي تقدير ، في شىءِ الذاتي وشىءِ الفعل دون أن ينافي الاختيار ، فاللَّه هو المقدر تخييراً دون تسيير حيث يحضِّر مقدمات الأفعال إبقاءً لحال الاختيار وحوله . ثم‌ترى كل ممكن شئ لإمكانية وجوده ، فليُخلق ما أمكن إيجاده ، ولكنه لم يُخلق إلَّاما يصلح في نظام التكوين !